محمد بن جرير الطبري
448
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في تأويل قوله تعالى : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . يعني تعالى ذكره بذلك : وقل لهؤلاء اليهود والنصارى الذين يحاجونك يا محمد : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ من كتمانكم الحق فيما ألزمكم في كتابه بيانه للناس ، من أمر إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأَسباط في أمر الإِسلام ، وأنهم كانوا مسلمين ، وأن الحنيفية المسلمة دين الله الذي على جميع الخلق الدينونة به دون اليهودية والنصرانية وغيرهما من الملل . ولا هو ساه عن عقابكم على فعلكم ذلك ، بل هو محص عليكم حتى يجازيكم به من الجزاء ما أنتم له أهل في عاجل الدنيا وآجل الآخرة . فجازاهم عاجلا في الدنيا بقتل بعضهم وإجلائه عن وطنه وداره ، وهو مجازيهم في الآخرة العذاب المهين . القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ يعني تعالى ذكره بقوله : تِلْكَ أُمَّةٌ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأَسباط . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة قوله تعالى : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأَسباط . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع بمثله . وقد بينا فيما مضى أن الأَمة : الجماعة . فمعنى الآية إذا : قل يا محمد لهؤلاء الذين يجادلونك في الله من اليهود والنصارى أن كتموا ما عندهم من الشهادة في أمر إبراهيم ومن سمينا معه ، وأنهم كانوا مسلمين ، وزعموا أنهم كانوا هودا أو نصارى فكذبوا أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأَسباط أمة قد خلت ؛ أي مضت لسبيلها ، فصارت إلى ربها ، وخلت بأعمالها وآمالها ، لها عند الله ما كسبت من خير في أيام حياتها ، وعليها ما اكتسبت من شر ، لا ينفعها غير صالح أعمالها ولا يضرها إلا سيئها . فاعلموا أيها اليهود والنصارى ذلك ، فإنكم إن كان هؤلاء هم الذين بهم تفتخرون وتزعمون أن بهم ترجون النجاة من عذاب ربكم مع سيئاتكم ، وعظيم خطيئاتكم ، لا ينفعهم عند الله غير ما قدموا من صالح الأَعمال ، ولا يضرهم غير سيئها ؛ فأنتم كذلك أحرى أن لا ينفعكم عند الله غير ما قدمتم من صالح الأَعمال ، ولا يضركم غير سيئها . فاحذروا على أنفسكم وبادروا خروجها بالتوبة والإِنابة إلى الله مما أنتم عليه من الكفر والضلالة والفرية على الله وعلى أنبيائه ورسله ، ودعوا الأَنكال على فضائل الآباء والأَجداد ، فإنما لكم ما كسبتم ، وعليكم ما اكتسبتم ، ولا تسألون عما كان إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأَسباط يعملون من الأَعمال ، لأَن كل نفس قدمت على الله يوم القيامة ، فإنما تسأل عما كسبت وأسلفت دون ما أسلف غيرها .